المقالات

الفيدرالية الديمقراطية ضمان وحدة سورية

يقال: إنّ حل القضايا معنيّ بكثب بتعاريفها الصحيحة، وقد تمّ التوضيح جليّاً في هذا المضمار، وتم التوقّف ملياً على التعريف بحقيقة الدولة القومية كقضية أساسية، وتم الوصول إلى نتيجة مشتركة بأنه لا يمكن للمنطقة بشكل عام وسورية بشكل خاص أن تحوز على حلول دون تخطي هوية الدولة القومية، هذا يعني أنّنا ومن أجل أن نتجاوز الأزمة البنيوية التي نعيشها، فهناك حاجة إلى رؤية ونظرية جديدة تقوم على تحليل هذه الأزمة وتقديم البديل، فإننا ومن هذا المنظور نرى أنّ عرض احتمالات الحل للأزمة في سورية من منظور الحداثة الديمقراطية الذي طرحه القائد والمفكر عبد الله أوجلان سيحل الكثير من القضايا التي نعيشها، ويمكن القول: إنّ مفهوم الفيدرالية الديمقراطية الذي تعتمده الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال سوريا يؤسس نفسه وفق هذا المنطلق الفكريّ.

إنّ مفهوم الأمّة في الحداثة الديمقراطية يختلف عمّا هو شائع، فإرشاداتها في الإنشاء الوطني غير المبني على اللغة أو الأثنيّة أو الدين أو الدولة يلعب دورا حلّالاً رائعاً في تكامل وتحييد العناصر متعددة اللغات والثقافات والأثنيات والمذاهب؛ أي إنّ مفهوم الأمّة الديمقراطية المرنة ومترامية الأطراف إزاء قضايا الأكثرية والأقلية تتميز بالآفاق القادرة على القضاء على العقليات النمطية والقتالية والقوموية والجنسوية والدينوية السائدة في الدولة القومية؛ كون جيوثقافة سوريا متناقضة مع التعصب القومي والديني والمذهبي فهناك حاجة إلى الكلياتية، والتجزّؤ يؤدي إلى الضعف، وانطلاقاً من هذا المنظور فإذا ما تم عكس جيوثقافة سورية على جيوسياسته، من الساطع أنّ البنية الفيدرالية الديمقراطية ستكون الإطار الأنسب لأجل ذلك.

إنّ الفيدرالية كتعريف عام يعني اتحاد بين ولاية أو أجزاء أو دولة مشتركة مع الكيان المركزي بشكل توافقي، بحيث يحتفظ الجزء أو الكيان المتّحد بخصوصيته وهويته، فأهم ما تتّسم به الدول الفيدرالية هو الاستقلال الذاتي لكل ولاية أو دولة مشتركة في الاتحاد، ويكون للاتحاد الفيدرالي دستور أو قانون أساسي يسمى بدستور الاتحاديين، تُحدّد فيه الأسس والركائز التي تقوم عليها الولايات أو الدول داخل الاتحاد، كما تُحدّد الاختصاصات والسلطات الاتحادية أو المركزية علاوة على بيان صلاحيات أو سلطات الولايات واختصاصها، أمّا بالنسبة لإضافتنا نحن مصطلح الديمقراطية على الفيدرالية فهو من أجل تحديد ماهية هذه الفيدرالية؛ فليس بالضرورة بمكان أن تكون كلّ الفيدراليات ديمقراطيّة، حيث تكون في البعض من الفيدراليات صلاحيات الكيان المركزي أكثر، بحيث يفتح المجال أمامها بالتدخل بشكل أكثر في أمور الولايات أو أن تستولي على البعض من صلاحياتها وهذا يعني الضعف من الناحية الديمقراطية.

المفهوم السياسي الذي يعتمد عليه النظام الفيدرالي الديمقراطي

أودّ التوقف بعض الشيء على المفهوم السياسي الذي يعتمد عليه النظام الفيدرالي الديمقراطي الذي تمّ الإعلان عنه من قبل المجلس التأسيسي لفيدرالية روج آفا – شمال سوريا في الفترة الماضية.

لا يرى في الحل الديمقراطي مجرّد خيار حلّ فحسب، بل أسلوب الحل الأول، ومن عظيم الأهمية التبيين أنّ أنموذج الحل الديمقراطي هذا غير منفصل عن الكيان المركزي، إذ بمقدور الفيدرالية الديمقراطية والدولة المركزية أن تلعبا دورهما كسيادتين تحت السقف السياسي عينه، والدستور الديمقراطي هو الذي يرسم الحدود الفاصلة بين مساحتي نفوذهما، الشيء المهم هو أن تقوم الدولة المركزية بالاعتراف بحق جميع المكونات في إدارة أنفسهم بأنفسهم وبإرادتهم الحرة، وعدم زرع العراقيل في طريقهم للتحول إلى مجتمعات وطنية ديمقراطية، إنّ الحل الديمقراطي يدلّ على كينونة الأمة الديمقراطية، وعلى ظاهرة إنشاء المجتمع ذاته كمجتمع وطني ديمقراطي، فتشكيل الفيدرالية الديمقراطية اعتماداً على مفهوم الإدارات الذاتية الديمقراطية ضمن إطار فيدرالية الأم على نطاق سورية يحتاج إلى قبول وتوافق من قبل الكيان المركزي، فذلك يشكّل الحد الأدنى للعيش المشترك مع الدولة المركزية تحت سقف سياسي جامع، وأيّ اختيار أدنى منه مرتبة، لا يعني حل القضية، بل تجذّر العقم وتصعيد الاشتباك والصراع، فبالطبع يمكن أن يتم تطبيق حل الفيدرالية الديمقراطية عن طريقين: الأول الوفاق مع الدولة أو الكيان المركزي، ويجد تعبيره الملموس في حل الدستور الديمقراطي وهو يحترم ميراث الشعوب والثقافات والتاريخ الاجتماعي، ويعتبره أحد الحقوق الدستورية الأساسية التي لا استغناء عنها للتعبير عن نفسها، وتنظيم ذاتها ونيل حريتها، وهذا يعني تخلّي الدولة القومية عن سياستها الإنكارية والإبادية، فالسبيل المبدئي الذي لا يستند إلى الانفصال أو العنف هو القبول بالفيدرالية الديمقراطية التي توافق عليها المكونات في شمال سورية، وبما أنّ الدولة القومية في سوريا بعيدة عن قبول أي مشروع فيدرالي في الوقت الراهن، إذاً لا يبقى خيارٌ سوى تطبيق هذا المشروع بشكل أحادي الجانب، حيث يطبّق على أرض الواقع، كما تم في تطبيق الإدارة الذاتية الديمقراطية، بالطبع هذا يعني التوتر الدائم بين كيان الفيدرالية وبين الدولة المركزية أو حتى سيؤدي إلى اشتباكات كما حصل في اشتباكات القامشلي والحسكة في الفترة الأخيرة، وحينها لن يبقى خيار أمام المكوّنات إلّا أن تحمي نفسها اعتماداً على مبدأ الدفاع المشروع، إلى أن تفرز حالة وفاق ما أو أن يتوطد هذه الحالة من الاستقلالية.

هناك من يقول: إنّه لا يمكنكم أن تتّخذوا القرار بشأن الفيدرالية، وبأنّه يجب أن يكون هذا بشكل توافقي مع كل القوى السياسية في سوريا، أودّ أن أؤكّد أنّه تمّ قول نفس الشيء عندما تمّ الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية وتأسيس وحدات حماية الشعب والمرأة، وإذا كنا قد انتظرنا الاستقرار في سوريا كانت ستكون مناطقنا الآن منهوبة ومنكوبة ومستسلمة لداعش أو لغيرها من القوى المرتزقة الإرهابية، إنّ الزمن مهمّ جدّاً فبقدر ما نقوم بتنظيم نظامنا الإداري بشكل سريع وبشكل جيد، نكون قد حققنا لشعوبنا ولسوريا بشكل عام نافذة حل، لذلك فقراءة روح الزمن أوالوقت مهمّ جدّاً في حالات الفوضى والأزمة  إذا لم يتم تحقيق الخلق فإنّ التعرّض للزوال أيضاً يمكن أن يكون أحد الاحتمالات.

المبادئ الاساسية لمشروع الفيدرالية الديمقراطية:

لا يمكن طرح الحل من أجل مناطق شمال سوريا فحسب، بل من أجل كل المناطق السورية، فالتنوع الثقافي والعقائدي واللغوي لا يقتصر على المناطق الشمالية فحسب بل إنه موجود في كل المناطق الأخرى أيضاً، ولكي يتمّ تحقيق حلٍّ جذريٍّ للقضايا التي تعاني منها كلّ المكونات، وتجنُّب تجربة العراق التي اعتمدت على الفيدرالية بين المناطق الكردية والعربية، فبقيت كل القضايا في العراق معلّقة، ورسّخت من القوموية والمذهبية، لذلك يجب أن يشمل هذا الحل كل سورية، فيتمّ أخذ خاصية المناطق بعين الاعتبار، فتتشكل عدة فيدراليات مرتبطة بالفيدرالية الأمّ، والذي سيكون مركزها دمشق. لهذا فإن مشروعنا هومشروع جغرافي وليس مشروع قوموي.

المبدأ الأوّل: لكلّ شعب الحقّ أن يدرس بلغته وأن يمارس حياته بها، وأن يتم حسب التنوع اللغوي تحديد اللغات الرسمية في الأقاليم، مثال أن يكون في الجزيرة كل من اللغات الكردية والعربية والسريانية لغات رسمية، وفي منطقة كوباني ومنبج وعفرين كل من اللغتين الكردية والعربية لغات رسمية، في حين يتمّ منح كل الشعوب حق التعليم والتدريس بلغاتها إلى جانب تعلم لغة مشتركة في كل فيدرالية سورية.

ثالثاً: يرتكز مفهوم الفيدرالية الديمقراطية إلى مشاركة مباشرة من قبل الشعب، فتقوم كلّ وحدة اجتماعية ابتداء من الكومين وحتى مجالس الأقاليم بالمناقشة وإعطاء القرار في الأمور التي تمسّها بشرط ألّا يتعارض مع العقد الاجتماعي الذي يتم الإجماع عليه، فيكون مفهومُ الإدرات الذاتية البنيةَ الأساسية التي يعتمد عليها نظام الفيدرالية.

المبدأ الثالث: إنّ المرأة متساوية مع الرجل في النظام الفيدرالي، بحيث يكون نظام الرئاسة المشتركة أساساً، ومشاركتها ستكون بنسبة 50% في كل المؤسسات التابعة للنظام الفيدرالي، وأن يكون لها جهاز عدالة ومجالس خاصة بها تبت في القضايا المرتبط مباشرة بالمرأة.

المبدأ الرابع: يأخذ المفهوم البيئي والتشاركي أساساً في مفهومه الاقتصادي، بالإضافة إلى فتح المجال على الاستثمارات الفردية التي لا تسيء إلى البيئة والمجتمع، أيضا يأخذ التوزيع العادل للثروات أساساً.

المبدأ الخامس: لا يمكن الاستغناء عن قوة الدفاع المشروع، هذه القوى مشروعة، لأنّها تعمل من أجل حماية أراضينا ووجودنا أمام كل الأخطار.

المبدأ السادس: أن يتم حماية حق جميع المكونات بحيث يكون هناك تمثيل لكل مجموعة اجتماعية، أثنية وثقافية في آليات صنع القرار. لذلك يجب أن يتم انتخاب 60% من الممثلين في الانتخابات العامة و40% منها من ممثّلي المكونات والمجموعات التي يمكن ألّا يتمّ ترشيحها في الانتخابات العامة، فيتمّ ضمان مشاركتها عن طريق ممثّلين انتخبوا من قبل مجموعاتهم.

المبدأ السابع:  الشبيبة هي القوة الطليعية التي ستبني هذا النظام  لذلك فإن سن التصويت والترشيح سيكون  18 سنة.

المبدأ الثامن: لا يوجد في العقد الاجتماعي للفيدرالية عقوبة الإعدام، انطلاقا من مبدأ أنّ حق الحياة مصان، هذا وإيماناً بأنّ عقوبة الإعدام لن تقلل من الجرائم، وإنّما المهم هو تأسيس نظام اجتماعيّ يقضي على أسباب الجرائم وليس على نتائجها، لذلك نرى أنّه إلغاء لعقوبة الإعدام، فهو مبدأ إنساني لا يمكن الاستغناء عنه.

من كل هذا يمكنني القول: إنّ مشروع الفيدرالية الديمقراطية ليس مشروع تجزيء أوتقسيم لسورية، وإنما هو مشروع توحيد لكن على أساس قبول التنوع والتباين الثقافي، والسياسي، والديني، واللغوي. أيضاً فمشروع الفيدرالية الديمقراطية ليس من أجل مكون معيّن فحسب، إنّما هوضمان لحقوق كل السوريين، فمشروع الفيدرالية ليس مشروع الأغلبية، وإنما مشروع لضمان كلّ الكيانات الاجتماعية والسياسية بغض النظر عن صغر أو كبر حجمها وعددها، فمشروع الفيدرالية الديمقراطي هو مشروع تحرري؛ لأنّه يضمن الحياة الندية الحرة لكلّ من المرأة والرجل، إنه ليس نظاماً نخبويّاً، لأنّه يعتمد على المشاركة المباشرة للمجتمع، لذلك لن يكون من الخطأ أن نشبّه هذا النظام بالحديقة التي تضم كل أنواع الورود في داخلها ولكن كل وردة بلونها الخاص، برائحتها الخاصة بها، دون تجريدها من أشواكها التي تحقق لها الدفاع الذاتي. أما من يحاول أن يقتلع هذه الورود من جذورها أوأن يفرض لونه  الرمادي  القاتم فسيقضي بذلك على هذه الحديقة المشتركة، وسيكون المسؤول عن  تمزّق النسيج الكلياتي والطبيعي والجمالي لهذه الوحدة المشتركة، لذلك فإنّنا بحاجة إلى وحدة تعتمد على الحرية، على العدالة والديمقراطية، في حين إنّ الوحدة القسرية لن تأتي لنا سوى إلّا بالتجزؤ والتمزق أكثر فأكثر.

 

فوزة اليوسف

أضف تعليقا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة

إلى الأعلى