المقالات

المشروع السوري الناضج والفيديرالية لا التقسيم

لمى الأتاسي

أصبح السوريون متشائمين جداً فيما يخصّ مستقبلهم الخاص كأفراد، ويرى البعض أنّ المواطنة في دولتنا السورية لم تنجح، ويتوقّع البعض مزيداً من الدماء والدمار، وان تحدّثنا مع كل فئة لأعطتنا كل فئة نظرتها التشاؤمية للمخرج ما عدا القلة الذين يتوقعون نصر فئتهم وقضيتهم الخاصة التي بالتأكيد تعني بنظرهم انهزام قضية الآخر أو قضايا الآخرين.

لكن إن عدنا إلى تاريخ البشرية لوجدنا أنّ ما نعيشه هو حالة الخروج من عنق الزجاجة، وبأنّه حتماً لن ينتصر أحد على أحد؛ لأنّ التطور الإنساني العالمي لن يسمح بنصر قوى ظلامية أو ديكتاتورية مرة أخرى في منطقتنا.

نعم لقد تم في الماضي ظلم الكثير من الفئات أو المكونات في منطقتنا عبر التاريخ القديم والحديث، وقد خضنا صراع حضارات استعمل فيه الدين وقامت دول دينية وحكومات دينية، لكن الذي نشهده حالياً هو نهاية الصراعات الدينية أو آخر مراحلها ونهاية الصراعات لا تعني نهاية الأديان ونهاية حرية الاعتقاد بالله.

إنّ القيم التي وصل إليها العقل البشري بعد الحرب العالمية الثانية قيمٌ حقيقية وليست خدعة، وهي من معتقدات مواطني الدول المتحضّرة وما يقال عنه: “العالم الحر” أي الغرب الذي قاد الثورة الصناعية، وحالياً دخل الأخير في ثورة العولمة ما بعد التكنولوجية. هذه القيم التي أنشأت الأمم المتحدة أصبحت الحرب العالمية الثانية هي ذاتها التي أدت إلى فكرة إنهاء الاستعمار المباشر للشعوب بالطريقة التي كان يمارسها المستعمرون الأوروبيون، وبناء على هذا الاتفاق القانوني الدولي الذي بنى عليه ميثاق الأمم المتحدة أعلن عن دول جديدة أخذت شخصيتها القانونية واستقلالها، من بينها طبعاً سوريا، وتم الاعتراف بحق الشعوب بتقرير مصيرها، لكن عملية الاستقلال عملياً هي بحد ذاتها مخاض طويل لم ينتهِ بعد في سوريا مثلاً، إذ أنّ فرنسا وإنجلترا وجدا صعوبة بالغة وما زالا في التخلي عن نفوذهم والقبول بقدرة الشعوب على حكم ذاتهم وإنتاج مشروعها ونخبتها.

رأينا في الحالة السورية كيف أنّ كلّ الحكومات التي تعاقبت على سوريا لم تكن مفرزة من الإرادة السورية، وحتى أنّنا أصبحنا نشك بذاتنا وبوجود إرادة سورية موحدة ممكنة. لقد دعم الغرب انقلاب حسني الزعيم عام 1949، وهو أوّل انقلاب جرّ سلسلة الانقلابات الديكتاتورية بعده، وتزامن أوّل انقلاب ليس صدفة مع إعلان دولة إسرائيل، والأبحاث المعلنة اليوم في الغرب تؤكّد على أنّ الغرب حضنَ وطبخَ حزبَ البعث وطبخَ جماعة الإخوان (هناك وثائق تؤكد وهم يعترفون بهذا) وأنتج لنا كل الأحزاب والتجمّعات التي كلها طبعاً ديكتاتورية أي تلغي حقّ الاعتراض عليها تماماً وبالتالي نحن داخلياً لم ننتج مشروعنا الحقيقي.

ولكي نوضّح أكثر من المؤكد حسب التقارير في الأرشيف الأميركي والفرنسي بأنّ البعث في وقته مثلاً كان مطلباً غربيّاً لمكافحة الشيوعية، أي؛ مصالح الاتحاد السوفييتي وضمان مصالح الغرب وأميركا النفطية في العراق. والبعث لا يملك أيّ مشروع أيديولوجي للعراق أو رؤية إستراتيجية ما عدا فكرة العروبة العاطفية، ومع هذا تمرد عليهم البعثي صدام حسين قليلاً تماماً كما تمرّد الإخواني بن لادن منتج القاعدة وداعش، أي أنّ الأمور تخرج عن سيطرتهم أحياناً وطبعاً يطول شرح الموضوع ويستحق مقالاً كاملاً، لكن نحن هنا نسرد تاريخ ووقائع تقرّ باختصار بأنّنا في سوريا لم نتمكن من إنتاج مشروع وطني بعد مشروع الاستقلال والتكتل الوطني بين الطوائف، أي مشروع الكتلة الوطنية التي عارضت مشروع التقسيم وحاربت للاستقلال وإنشاء سوريا. أي بعد فكرة الاستقلال توقّف عقلنا عن التفكير بسوريتنا، وأصبح المشروع الوطني دائماً تابعاً أو مرتبطاً بمشروع خارجي، على سبيل المثال: المشروع الإسلامي – المشروع القومي العربي والوحدة العربية – المشروع الشيوعي السوفييتي الأممي- المشروع الانفصالي لكل فئة – المشروع القومي السوري الذي يريد التوحد مع دول الجوار. .. إلخ.

كلّ هذه المشاريع ليست مشاريع سوريّة، بل مشاريع أثبت الزمن والتاريخ المعاصر أنها أحدثت شرذمةً وأخّرت مشروع المواطنة والهوية الثقافية السورية الخاصة، واليوم وللأسف مازالت النخبة أو النخب التي ما زال للآخرين مصلحة باعتمادها كل واحدة منفردةً دون غيرها وفي صراع مع غيرها (لأن الآخرين في صراعات فيما بينهم) ما زالت كلّ منها تبث منفردة في سوريا مشروعها المنفرد عن الآخر ومن هنا الصراع الحقيقي.

الصراع القائم في سوريا ليس فقط صراعاً ضد النظام، وإن حللنا بنية النظام لوجدنا أنّ النظام لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن كلّ تلك الصراعات، أي توجد بداخله ذات الصراعات والتجاذبات المتواجدة في كل أنحاء سوريا. وينتهي الصراع عندما نجد المشروع الوطني الحقيقي الجامع غير المرتبط بمشروع لا سوري على الإطلاق، والذي يحترم تعدّدية وتكوين سوريا والأهم أنّه يحترم الفرد وقيمته الإنسانية متجردة عن الانتماءات، بالتالي هذا المشروع لكي يتواجد لا بد أن تكون بنيته علمانية وديمقراطية، أي أنّ العلمانية بحد ذاتها ليست مشروعاً وليست حِكراً على أيّ يسار ما في هذا العالم. وللأسف مفهومنا للعلمانية مشوه جداً ومرتبط بالماركسية والإلحاد وهذا أيضاً يستحق شرحاً مطوّلاً.

أمّا عن مشروع الفيدرالية فهو أسلوب إدارة لا أكثر ولا أقل، أمّا لماذا فشلت في العراق حيث هي حاليا في حالة تقسيم، فهذا لأنه قبل الفيدرالية أي قبل التفكير بأسلوب الإدارة لبلد ما، لا بدّ من الاتفاق على تواجد المواطنة أي تواجد البلد بحد ذاته بحدوده، والإجماع على قيم المواطنة المشتركة والتي تضمن حقوق المساواة للفرد (بتجرد عن انتمائه لعرقه، لدينه، لجنسه) مع الأغلبية، أي لا يخرس فيها صوت أحدٍ ما بحجّة الأغلبية والأقلية، ونلاحظ في العراق أنّها أحرقت كل المراحل التطورية، وتم إغلاق باب الحوارات والتفاوضات بين مكونات الشعب العراقي، وهكذا؛ رفضت التجاذبات الخارجية للعراقيين حق المواطنة العراقية وحق التفكير بماذا يريد العراقيون حقاً بهدوء، وهكذا منع صوت الرصاص والعنف والدماء حق الانسان العراقي ببناء بلد حقيقي. وفضلت تجزئته لدويلات تتناحر وتعيش حالات حرب دائمة لا تراعى فيها كرامة الفرد وأهميته.

وكذلك نحن اليوم كسوريين غير متفقين على مسألة انتمائنا السوري وحق الفرد وأهميته متجرداً، ولا بدّ أن نتفق عليها لكيلا تستعمل الفيدرالية كوسيلة تقسيم مبطنة. عندما نتصفح الفيسبوك تظهر لنا واضحة الانتماءات اللاسورية، فنرى من يوضح بصراحة بأن مشروعه هو إقامة دولة رسول الله ويصرخ بأنّ القران سيكون دستوره وهذا ليس بالضرورة سلفياً أو داعشياً أو وهابيّاً، بل إن بحثنا نرى أنّه مواطن سوري عادي مثقف متعلم من عائلة ميسورة أو متوسطة أو فقيرة. وكذلك يفاجئنا البعض بالتفاخر بعروبته وعدم اعترافه بالحدود الجغرافية التي تفصله مع أي بلد عربي وبعضهم كان في الماضي يطالب بالنفط السعودي للعرب كل العرب، ويتكلم بلهجة المحق بأنه سيوحد على طريقة القذافي وعبد الناصر أو صدام حسين كل الدول العربية مصادراً مواردها ولاغياً لتلك الدول حق رفض التوحد معه.

ونرى اليوم بالمقابل كذلك الكردي الذي اعتبر أن سوريا خذلته، وبأنه لم يعد بإمكانه العيش مع هؤلاء الذين يلغونه تماماً ولا يعترفون بوجوده كإنسان سوري له حق بالاختلاف الثقافي عن السوري العربي وله الحق باللاعروبة السورية وباللاإسلام السوري. وهو مع أنّه لا يطلب تكريد سوريا كما هم يفرضون تعريبه، لكنه عندما يقرر الانفصال عنهم دون إقناعهم بحقه وبتغيير رؤيتهم لسوريا فهو يتخلى وينهي سوريا، وهو بهذا أيضاً يشاركهم ظلمهم وتعديهم على المشروع السوري.

قد يقول البعض من الكُرد: “يئسنا ولم يعد أمامنا حل آخر فنحن جَربنا العيش المشترك ولم نجد ذاتنا ولم نُحترم وظلِمنا وعومِلنا بإقصاء”. لكن الحقيقة أنّ ديكتاتورية من اعتبروا أنفسهم زوراً أغلبيات (العروبيين والاسلاميين) هذه الديكتاتورية لم تكن مفرزاً سوريّاً ولا مفرز مشروع وطني، بل سلطت علينا من الخارج واستعملت انتماءاتهم الجزئية الثقافية لإفشال إنتاج أي مشروع وطني. فشتّان ما بين مشروع هاشم الأتاسي لسوريا ومشروع نور الدين الأتاسي أو ميشيل عفلق. شتّان ما بين مشروع سلطان باشا الأطرش ومشروع أيّ انفصالي اليوم. أعطي هذه الامثلة لأنها ملك التقييم التاريخي، وأخذت مثال الأتاسي لكي أوضّح كيف من الممكن أن تختلف المشاريع رغم وحدة الانتماءات.

القضية الكردية لا بد من وضعها على ذات الطاولة التي تناقش فيها كل القضايا بمساواة، ولا أرى أنّه من المساواة أن يقول العربي أو الكردي: “يحق لي أكثر من الأرمني أو الشركسي مثلاً لأن عددنا أكبر”. لكن قبل هذا وذاك لا بد من حوار صادق بين الجميع لنصل إلى حلّ حيث الصراع لم يعد ما بين نظام ديكتاتوري ومعارضة، بل بين مكونات سورية وأفكار خارجية.

أضف تعليقا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة

إلى الأعلى