المقالات

المغالطات المهنية التي تتلبس زيّ الدعاية السوداء

 

مصطفى عبدي – فرهاد حمي

تكمن أسباب تزايد الحملة المضادة لمشروع الإدارة الذاتية وتجربتها في شمال سورية، إلى جملة من الدوافع السياسية المحضة، حيث تستثمر بعض الجهات ملفات حقوقية مفتعلة لتمرير مشاريعها على الأراضي السورية دون الإحاطة والتمحيص بملابسات الحرب على الإرهاب وخاصية الدفاع المشروع تبعاً للقانون الدولي والإنساني، وإذا ذكرنا مقاربة وحدات حماية الشعب من الأزمة المندلعة في سوريا عبر خطابها وممارساتها سنلاحظ أنها تلتزم بخطاب وطني واضح بعيد عن التطرف، وتعتمد على الدفاع عن الهوية السورية الجامعة هدفاً محورياً لها، حيث يصل عدد المقاتلين العرب بين صفوف قوات سوريا الديمقراطية لوحدها إلى 23 ألفاً، فضلاً عن التشكيلات الدفاعية من المكونات المسيحية في الجزيرة السورية، ومنذ بداية الأحداث السورية وقفت هذه القوات بالضد من الخطاب الإسلامي المتطرف، والتزمت سياسة الحماية والدفاع عن كل المكونات في مناطق سيطرتها، ورفضت بنفس الوقت التعاون مع النظام السوري الذي ارتكب جرائم حرب على غرار التنظيمات المتطرفة، وخاضت من أجل هذه المواقف حروب ميدانية مع النظام في كل من حلب والقامشلي والحسكة، سقط على إثرها الكثير من المقاتلين في هذه المعارك.

وبالتوازي، لم تسمح وحدات حماية الشعب أن تهيمن الجماعات الإرهابية على المناطق الكردية والعربية في شمال سوريا بغرض تحويلها إلى بؤرة للإرهاب عبر إقامة دويلات إسلامية جهادية تزعزع من خلالها الأمن المحلي والعالمي، ولأن وحدات حماية الشعب سلكت هذا المنحى ولم تذعن للتوصيات الإقليمية المناهضة للمكونات السورية المتنوعة، جرى تسويق حملات إعلامية منظمة من الجهات المعادية دوماً بغرض تشويه حقيقتها وجوهر نضالها مستغلةً في ذلك  تحريف الحقائق الميدانية وإدراجها ضمن السياق القانوني المصطنع تناسباً لأغراض سياسية معروفة.

هذه الحملات زادت وتيرتها عشية التعاون والتنسيق المباشر بين قوات سوريا الديمقراطية”SDF” ومن ضمنها وحدات حماية الشعب”YPG” مع التحالف الدولي ضمن إستراتيجية الحرب على الإرهاب، وتحقيق انتصارات عسكرية بهزيمة الدولة الاسلامية وإعادة المهجرين إلى قراهم وتنظيم الشؤون الخدمية العامة في المناطق المحررة حديثاً من داعش، وذلك باتّباع خاصية الاعتماد على القدرات الذاتية المحلية المتعارضة مع التوصيات الإقليمية المعروفة للجماعات المتحاربة في سوريا، وهذا كان جلياً لدى اجتماع الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي”PYD” مع قيادات جهاز المخابرات التركية الذين طلبوا حينها من مسلم جملة من الشروط من بينها الدخول تحت سقف التشكيلات الإسلامية التي تدعمها تركيا.

وهذا ينطبق أيضاً على الترويج لعلاقات الوحدات مع النظام، ومع إيران، فخلال المعارك الدامية مع النظام في مدينة الحسكة ساندت الميليشيات الإيرانية القوات النظامية، كما وأنّها أعلنت مؤخّراً عن خطة لمواجهة وحدات الحماية في الحسكة من خلال تشكيل فيلق عسكري لتجنيد الشباب، وكل هذه المعطيات موثوقة وهي مفتوحة أمام الصحافة الدولية.

وعليه، تصبح تلك الاتهامات المدروسة التي تدخل في غمار توصيف هذه القوات تحت خانة “الإرهاب” تخرج من سياق الصدقية والحجج القويمة المنسجمة مع الوقائع الميدانية، بقدر ما تلبست ثوب خطابات إعلامية مضادة، حيث يكمن المغزى من ورائها تشويه هوية وحدات حماية الشعب التي أوقفت زحف جحافل الإرهاب نحو المناطق الكردية بعد معارك كوباني بصورة خاصة، كما أنّ الرأي العام المحلي والدولي على دراية بوجود خبراء الكثير من الدول الأجنبية العاملة ضمن التحالف الدولي مثل بريطانيا والولايات المتحدة يعملون وينسقون مع هذه القوات ويدركون ماهية هذا التنظيم بتفاصيله الإدارية والتنظيمية على الأرض والذي يعتمد بصورة كبيرة على قدراته الذاتية في التجنيد والتطويع وتأمين الأسلحة وتدريب القوات الميدانية على الفنون القتالية.

تعتبر وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية بمثابة القوة العسكرية السورية الجامعة التي تناضل في سبيل إرساء القواعد الديمقراطية في عموم البلاد بخلاف النظام والفصائل التي تعارضه، فهي تؤمن بالتنوع العرقي والطائفي والمذهبي وتكافح الإرهاب العالمي المتمثل بتنظيم داعش وشقيقاتها لإحلال السلام والأمن في المجتمع.

وكل هذه المعطيات مفتوحة أمام المنظمات الدولية الحقوقية إن شاءت أن تجري زيارات عملية إلى المنطقة وكتابة التحقيقات الميدانية في هذا الصدد، وسبق أن تمكنت المئات من المؤسسات الدولية والإعلامية المتنوعة من زيارة روجآفا- شمال سوريا، ونشرت الكثير من التقارير عبر إسناد شهادات حية ودراسة الحالة ميدانياً، وللبعض منها مقرّات عمل دائمة في روجافا.

هذا وتعمد العديد من المراكز الاعلامية، أو الحقوقية وضمن سياسة ممنهجة لاستهداف التجربة الديمقراطية في شمال سوريا لنشر تقارير بالاعتماد على معطيات ومعلومات وشهادات غير موثقة في نزاهتها أو تكاد تكون مستوحاة من خصوم الإدارة الذاتية الذين فشلوا في تحويل هذه المناطق إلى إمارات إرهابية أو مسرحاً لعمليات النظام السوري المستبد كما جرى في المناطق السورية الأخرى، واعتبارها وثائقَ دامغة تدين وحدات حماية الشعب. ومعظم المعلومات والشهادات تعتمد على الأحداث الماضية أو مجتزئ منها، والتي جرى تكذيبها وتفنيدها مراراً من قبل الجهات المسؤولة والمنظمات والوسائل الإعلامية العالمية حينها، مما يضعها في مشهد انتقاء تكرار الأحداث المفتعلة لغايات تخدم أجندة سياسة صرفة، والمشترك فيما بينهم أنّ غالب الشهادات تحاكي تماماً وجهة النظر الدعائية المضادة عبر التحامل المتعمّد ضدّ قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب منذ انطلاقة الصراع الدمويّ في البلاد وانتشار الجماعات الإرهابية على تخوم المناطق الكردية. فتحتوي على الكثير من الاتهامات دون إعطاء أيّ اعتبار لجملة التعقيدات المتداخلة مع الواقع المتدهور في شمال سوريا، لا يمكن تصوير الوقائع الدامغة في ظل استبعاد مؤثّرات الإرهاب بتشكيلاتها المتنوعة -أحرار الشام وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية…إلخ، فضلاً عن خاصية تكوين الجماعات الموالية التي تتّبع مشاريع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، والنظام التركي الذي يسند التشكيلات الإخوانية والسلفية وأحياناً الجهادية حسب المصادر الدولية المتنوعة من جهة ثانية، وذلك باستغلال هذه الأطراف المتناحرة الأحداث الصاعدة في سوريا لصالح مشاريعهما القومية الاستعمارية أو الدينية، وهي مؤثرات تطعن بشرعية القانون الدولي وحقوق الإنسان ليلاً ونهاراً، فضلاً عن انزلاق مناصري كلا الطرفين إلى ارتكاب جرائم حرب. زد على ذلك، أنّهم لا يميزون – أو لا يريدون التمييز-  بين المشاريع الدفاعية في مواجهة الإرهاب والتي تفرض قانونياً بوجوب تأمين سياسة أمنية محكمة لتفادي تحويل المناطق والمكونات السورية المتنوعة التي باتت عرضة للهجمات الإرهابية المتوالية، كما أنّ التكتيكات التي تتّبعها هذه الجماعات عبر توظيف الخلايا النائمة المنحدرة من المجتمع المحلي عامل مؤثر من ناحية وجوب تأمين الحماية اللازمة للسكّان المحليين، وكأنهم يريدون أن يبوحوا للرأي العام بما مفاده:” يلزم أن تستسلم وحدات حماية الشعب أمام هذه الفوضى العارمة دون أن تُتّخذ أي تدابير أمنية احتياطية وفق الصيغة القانونية المتمثلة في الدفاع المشروع”.

هذه المقاربات المفتقرة إلى المنهجية والحيادية تنطلق يومياً من الدوائر الإعلامية في الدول التي تعبث بالأمن الأهلي في سوريا، كما يجري الآن في شمال حلب من خلال عملية “درع الفرات” التي تقودها تركيا من خلال مجموعة من الفصائل الإسلامية ومنها ( فيلق الشام، أحرار الشام، جيش السنة، نور الدين الزنكي، سلطان مراد، لواء حمزة… وهي تشكيلات إسلامية متحالفة مع فرع تنظيم القاعدة في سورية( جبهة النصرة، فتح الشام، هيئة تحرير الشام). وتشير المصادر الحقوقية والمحلية بوجود حملة تطهير ممنهجة تديرها القوات التركية بالتحالف مع هذه التشكيلات الموالية لها على الأرض، ولا تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل تؤكد التقارير الدولية بتورّط تركيا في دعم الجماعات الإرهابية المسلحة والمصنفة على لائحة المنظمات الإرهابية العالمية كما جرى في مدينة رأس العين وتل تمر انطلاقاً من عام (2012).

حزب العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب

لا تتوقّف آلية الدعاية السوداء التي تُحاك وتنسج خيوطها دوماً في الغرف الإعلامية والأمنية في أنقرة وبعض الجهات السورية المحسوبة على المعارضة الإسلاميّة المتشدّدة في إشهار يومياً، قضية ربط العمال الكردستاني بوحدات حماية الشعب، وهي مزاعم نفتها مراراً وتكراراً وحدات الحماية وحزب الاتحاد الديمقراطي وقوّات سورية الديمقراطية، كما ونفتها أيضاً الخارجية الأمريكية والبنتاغون وهم يعملون ميدانياً مع هذا القوات التي تعتبر قوّة ضاربة في مواجهة الإرهاب، وأرشيف وزارة الخارجية والدفاع مفتوحة أمام المؤسسات الإعلامية التي تريد التأكيد من هذا الأمر، لا أن تستعين بآراء شخصيات منحازة لجهات سياسة صرفة غير موجودة على أرض الواقع، بل تنحصر مهمتها في التسويق والترويج للدعاية المضادة.

اتهامات تجنيد الأطفال، والقاصرين

عقب صدور تقرير منظمة حقوق الإنسان الدولية والذي تحدث عن وجود بعض الخروقات المتواضعة لدى وحدات حماية الشعبية قياساً بالأرقام الهائلة لدى الأطراف المتحاربة الأخرى، قامت وحدات حماية الشعب وكذلك الشرطة الكردية التي تعرف بـ”الأسايش” بوضع اللوائح الداخلية، ببنود واضحة، تحظر تجنيد الأطفال دون 18 سنة وهي تقبل “المواطنين السوريين الذين أتمّوا الثامنة عشرة”.

وفي ذات السياق، وقّعت وحدات حماية الشعب “صك التزام” في 5 تموز 2014 مع  “نداء جنيف”، وهي منظمة غير حكومية دولية تدعم التزام الجماعات المسلحة بقوانين الحرب، تعهّدت بموجبه نزع صفة المقاتل عمّن دون سن الـ 18 وكخطوة أولية نزعت القيادة العامة لوحدات حماية الشعب صفة المقاتل عن  149 مقاتل ضمن الفئة العمرية ما دون 18 عاماً.(14)

منظمة هيومن رايتس وتش قامت بنشر تقرير بتاريخ يوليو 15, 2015 اتهمت فيه وحدات الحماية بتجيد الاطفال، وهو التقرير الذي اعتمده الصحفي في بحثه من خلال العنوان دون متابعة التفاصيل التالية. تقرير هيومن رايتس كان واضحاً، حيث جاء فيه أن وحدات الحماية حققت تقدماً في منع تجنيد الأطفال. وكان إيجابياً في إظهار ثقة المنظمة بقيام وحدات الحماية باتخاذ خطوات أكثر للقضاء على هذه الحالات. وذكرت أنّها قامت – أي الوحدات – في 13 يونيو/حزيران بتسريح 27 صبيًا بينما سرّحت وحدات حماية المرأة في 20 أبريل/نيسان 16 فتاة، كما وفرضت عقوبات على سبعة ضباط لأنهم وافقوا على تجنيد أطفال، وفُصل ثلاثة مهم عن الخدمة.

أما بالنسبة لـ “قانون واجب الدفاع الذاتي” فإن شروطه واضحة، حيث يتضمن تدريب كل من أتم الثامنة عشرة من عمره ولم يتجاوز الثلاثين سنة ميلادية، وأنّ الإناث لهنّ حق الخيار في الالتحاق بخدمة واجب الدفاع الذاتي(طوعاً وليس فرضاً)، ومدّة الخدمة 9 أشهر، ويعفى من الواجب المكلف الوحيد لأحد أبويه (للأم أو الأب) والمصابين بمرض غير قابل للشفاء أو بعاهة دائمة.

ممارسة الضغوط على الصحفيين المحليين والاجانب

نشرت منظمة CFS الألمانية المعنية ببناء خريطة شاملة للحِراك المدني في سورية تقريرها الأول، والذي تضمّن نتائج المسح لعدد منظمات المجتمع المدني السورية بشكل عام وماهيتها، وعند متابعة إحصائية للمؤسسات الإعلامية في روجآفا- شمال سوريا حتى عام 2016، نجد أنّه قد تمّ إحصاء وجود حوالي 70 وسيلة ومؤسسة إعلامية، ناهيك عن العشرات من الوكالات العالمية، والمؤسسات الدولية والتي فتحَ بعضُها مكاتب دائمة. أمّا مجموع عدد المؤسسات المدنية فقد بلغ 220 منظمة، واحتلت محافظة الحسكة (كانتون الجزيرة) المرتبة الأولى على مستوى المدن السورية في عدد منظمات المجتمع العامة بلغ عددها 155 منظمة، فيما كانت غالبية المدن الكردية تتصدّر الإحصائيات العامة في عدد المنظمات المدنية ودرجة نشاطها ويعمل فيها لا يقل عن 2500 شخص.

تجاوز عدد الصحفيين -الأجانب- الذين دخلوا روجآفا- شمال سورية منذ حرب كوباني، 1500 صحفيّاً وعاد جميعهم إلى مؤسساتهم سالمين، ولم يوثَّق اختطاف، أو مضايقات لأيّ أحد منهم، باستثناء الصحفي السويدي يواكيم ميدين الذي اعتقل من قبل النظام لـ ست ساعات بتاريخ 21 شباط 2015.

أصدر اتّحاد الصّحفيين الكُرد السّوريين تقريره السنوي عن ملف الانتهاكات بحق الصحفيين بتاريخ 11 يناير كانون الثاني 2017 حيث وثّق (10 انتهاكات) من قبل الإدارة الذاتية، تتراوح بين “حالات الاعتداء بالضرب(3) والاعتقال المؤقّت (7) علماً أنّ بينهما حوادث لا يمكن اعتمادها؛ كونها جاءت كإجراءات قانونية، مثلاً توقيف على ذمة التحقيق لمدة ساعتين، ومنها حوادث اعتداء ذات دوافع شخصية.

من خلال هذه الإحصائيات والتوثيق نجد زيف التقرير الذي يحاول الإيحاء بأنّ شمال سوريا يعتبر مكاناً خطيراً على ممارسة العمل الإعلامي، من جهة قيام وحدات الحماية بتضييق الخناق على الصحفيين وإغلاق مؤسساتهم، وهو ما ينافي الحقيقة تماماً.

ونتابع في ذات السياق بغرض إعادة التذكير بالتعميم الذي أصدره مؤخراً المجلس الأعلى للإعلام، حيث يقضي هذا التعميم بتقديم التسهيلات اللازمة للإعلاميين والصحفيين ممّن يحملون بطاقات إعلامية، وهو صادر عن القيادة العامة لقوات الأسايش، لتسهيل مهمة الإعلاميين.

التهجير والتطهير العرقي والاستبداد

إنّ وصم الوحدات الكردية على الأرض على أنها تنتهج السلوك الاستبدادي بالتعاون مع النظام السوري لتطويق الخناق ضد النشطاء والجماعات السياسية الكردية المخالفة وزجهم في السجون وفرض سياسة التهجير القسري، اتهام يتكرر وفي هذا المضمار، وسبق أن قدمت الوحدات الكردية تعهّدات للمنظمات الدولية الحقوقية التي لديها وسائل معينة تستقصي الأمور الميدانية وهي ملتزمة بالقانون الدولي وشرعية حقوق الإنسان، وإن كان البحث وعبر شهادات مشبوهة يريد أن يفتح أبواب المناطق الكردية أمام الفوضى في ظل المواجهة اليومية واللحظية مع الإرهاب العالمي، فالاعتقاد السائد والراسخ لدى الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية يتمثل في أن قضية أمن الأهالي والحفاظ على حياتهم يتطلب حماية قانونية ومؤسساتية، ومن الواجب الالتزام بها. وتستطيع المنظّمات الدولية الحقوقية والمؤسسات الإعلامية وكذلك الصحفيين الأجانب أن يزورا روجآفا – شمال سوريا بغرض إجراء التحقيقات الميدانية المطولة في هذا الصدد.

كما وأنّ تكرار تهمة “تهجير العرب”، يتمّ بالاعتماد على فقرات غير متكاملة من تقارير دولية والتي بنيت عليها الاتهامات الضمنية كاعتماد شهادات أشخاص عبر وسائل الاتصال لا عن طريق المقابلات الشخصية، ووجود شهادات متناقضة. واتهامات التهجير القسري المفترضة لم تؤكد مطلقاً، لتبقى ضمن إطار التخمينات التي لا تشير إلى «تهجير قسري» على افتراض أنّ المدنيين كانوا ينزحون من قراهم في مناطق النزاع تفادياً للقتل العشوائي، كما وأنّ التنظيمات الإرهابية المتعاقبة على المنطقة كانت تنتهج في إستراتيجيتها الحربية زرع العبوات الناسفة والألغام والسيارات المفخخة والانتحاريين وتفخيخ المنازل وهو ما يعيق في الغالب ويؤخر إعادة توطين المدنيين إلى قراهم.

إضافة لما ورد أعلاه، فإنّه جرى تشكيل لجنة تقصي الحقائق من قبل (الائتلاف السوري) بعد تحرير مدينة تل أبيض، سرعان ما أعلن أعضاء من اللجنة نفسها استقالتهم بسبب قيام اللجنة بنشر تحقيق أوليّ تضمن تزييفاً للحقائق، واعتمدت شهادات منشورة في وسائل التواصل الاجتماعي دون التأكّد من واقعيتها، بل واعتبرتها وثائق اتهام لوحدات الحماية بممارسة التهجير في المدينة. كما أنّ “لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا” أصدرت تقريراً بتاريخ 13 أغسطس 2015 نفت فيه “تهجير” وحدات حماية الشعب للمكون العربي، إضافة الى التقرير الصادر عن لجنة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للامم المتحدة والتي نفت كلّيّاً كل اتهامات التهجير على العكس فقد أكّد التقرير أن وحدات الحماية بذلت جهوداً لإعادة المهجّرين الى قراهم ومدنهم.

تعتبر وحدات حماية الشعب السبّاقة إلى تأمين احتياجات المواطنين الإغاثية العاجلة بعد تحرير أي منطقة من داعش حتى قبل مجيء المنظمات الإغاثية المختصة وتقديم الرعاية الطبية حسب الإمكانيات المتاحة.

تجاهل تشكيل قوات سورية الديمقراطية

يتمّ تجاهل أن وحدات حماية الشعب هي إحدى مكوّنات قوات سوريا الديمقراطية التي أعُلن عن تشكيلها في الـ 10 من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2016 وهي تضم: وحدات حماية الشعب، وحدات حماية المرأة، قوات الصناديد، المجلس العسكري السرياني، بركان الفرات، ثوار الرقة، شمس الشمال، لواء السلاجقة، تجمّع ألوية الجزيرة، جبهة الأكراد، جيش الثوار، لواء التحرير، وانضمّ إليها لاحقاً:

منطقة الرقة: لواء أحرار الرقة  ولواء شهداء الرقة ولواء صقور الرقة ولواء  ثوار تل أبيض.

منطقة كوباني: تجمع الفرات- جرابلس، كتائب شهداء الفرات، كتائب شهداء السد، كتائب أحرار جرابلس، كتيبة الشهيد كاظم عارف التابعة لجيش الثوار، لواء جند الحرمين.

منطقتي إدلب والشهباء: جيش الثوار، قوات الفرقة 30، لواء شهداء ريف إدلب، لواء عين جالوت، لواء 99 مشاة، لواء الحمزة، لواء القعقاع، لواء المهام الخاصة، لواء السلاجقة، لواء أحرار الشمال، قوات عشائر حلب وريفها، جبهة الأكراد. اي 33 تشكيل عسكريّ لها قيادة موحدة وغرفة تنسيق وإدارة وعمليات تتحكم وتدير الحملات العسكرية.

هذه القوات والتي هي مزيج من تحالف عربي – كردي تمكّنت حتى إعداد هذا التقرير من تحرير مناطق تجاوزت مساحتها 16000 كم2 (الاجمالي 30 الف كم2) من داعش تضمّ هذه المساحة العديد من المدن الكبرى مثل منبج، الشدادة والهول وعشرات النواحي وآلاف القرى والمزارع، هذه الانتصارات التي حصدتها قوات سوريا الديمقراطية منذ تأسيسها جعلت منها القوّة الأساسية للدفاع عن شعوب شمال سوريا وحمايتها، وتعتبر في الوقت الراهن القوة الوحيدة التي استطاعت أن تنظّم نفسها بشكل جيد لحماية المنطقة من كافة الهجمات، وهي أصلاً تكوّنت على أسس ديمقراطية، مكّنتها من احتضان كافة المكونات دون أي تمييز أثني أو عرقي أو ديني أو طائفي، وأثبتت أنّها تملك منظومة السيطرة على قواتها عبر تنظيمها وتدريبها لتمنع ظهور أية حالات انتقامية أو ثأرية أو كيدية خارجة عن الأهداف التي نشأت أصلاً من أجلها، أو أي شيء من هذا القبيل, وهي ملتزمة بكل القوانين والمعاهدات الدولية حيال معاملة المدنيين وحماية أملاكهم ومعاملة الأسرى.

إنّ الثوابت التي قامت عليها هذه القوات من الديمقراطية والحرية والعيش المشترك وحرية المرأة بوصفها قوة ريادية تتعزز باستمرار من خلال التدريب المتواصل لتحقيق التعايش السلمي بين كل المكونات، لذلك فإنّ أيّة محاولة من أي فرد أو فصيل لنشر المفاهيم العنصرية والقومية والطائفية وغيرها ستعرض صاحبها للعقوبات التي تحدّدها الأنظمة الداخلية ومبادئ المحاكمة العسكرية، كونها تعمل على تمزيق النسيج الوطني.

وحدات الحماية سلمت كوباني وريفها إلى داعش بموجب صفقة ومنعت المدنيين من حمل السلاح للدفاع عن قراهم

أعلن تنظيم الدولة الإسلامية الحرب الشاملة على كوباني في 14 يوليو/أيلول 2014، وليس في نهاية العام 2014 كما ورد في التقرير، وكان هدفه السيطرة على ما سمّاه التنظيم “عين الإسلام” وضمها إلى دولته، مسخّراً لذلك جيشاً من مقاتليه المدرّبين، وأكثر أسلحته فتكاً من مدافع ودبابات، ومختلف أنواع الأسلحة التي استطاع جمعها من مطار الطبقة والفرقة 17 في الرقة واللواء 93 في عين عيسى مع تخطيط وتحضيرات كبيرة في حصار وحرب من ثلاثة اتّجاهات عبر ستة محاور عسكرية ضخمة، فإعلان الحرب الشاملة جاء بحكم أنّ المدينة بالأصل كانت محاصرة ومنهكة لفترات طويلة، مما رافقها نزوح ما يقارب حوالي نصف مليون مدني باتجاه تركيا، ليسطّر أهالي كوباني بأنهم أول مدينة سورية رفضت قبول واحتضان داعش، حيث تمّ إخلاء أكثر من 400 قرية وبلدة، إضافة إلى المدينة التي رفض معظم سكّانها المدنيّ البقاء فيها، وانتظار حكم دولة البغدادي البعيد كلّ البعد عن الثقافة الكرديّة.

كانت حرب داعش استكمالاً للحرب التي أعلنتها جبهة النصرة، وفصائل من الجيش الحر على المدينة، فكان شعارهم المشهور حينها يشدد” بأنهم سيصلّون العيد في جوامعها”، وقبيل تاريخ الحرب قامت العشرات من الفصائل العسكرية بفرض حصار على كوباني، شمل قطع الكهرباء، والماء، ومنع حركة الموصلات، مع تنفيذ هجمات على القرى والبلدات الكردية، بالإضافة إلى اعتقالات شملت المئات من المدنيين، والموظفين والأطفال.

الهجمات على كوباني المحاصرة كانت شرسة وبالسلاح الثقيل والنزوح كان بداية يتم تدريجياً من القرى التي تشهد مواجهات باتجاه المدينة ومع انكسار خطوط الدفاعات الأولى عبر المحاور الستة تحت شدة الهجمات الشرسة، وبعد أسبوع من المقاومة البطولية، اتخذت وحدات الحماية قراراً بوجوب إجلاء المدنيين العزل، وهو ما قلّل سقوط الضحايا المدنيين الذين كان التنظيم يقتلهم دونما رحمة وهوادة، وبالتالي فإنّ الصحفي هنا يناقض نفسه، ففي مقدمة التقرير اتّهم وحداتِ الحماية بتجنيد المدنيين، وهنا يتهم وحدات الحماية بأنها عارضت رفع المدنيين للسلاح لمنع تقدّم دبابات التنظيم، وكأنه يوحي بأهمية زج المدنيين في القتال ومواجهة السلاح الثقيل، وهو ما يعني حشر المدنيين في مواجهة الإبادة الممنهجة. لقد تمكّنت وحدات الحماية في حرب كوباني وحسب تقديرات من البنتاغون من تحقيق إنجاز كبير؛ وهو سرعة إجلاء المدنيين وإنقاذهم من الموت المحتوم، وهو الأمر الذي نفّذته أيضاً عقِب مأساة شنكال في آب 2014، حين فتحت أكبر وأهم ممر إنساني ساهم في إنقاذ حياة الآلاف من اليزيدين.

أضف تعليقا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة

إلى الأعلى