منوعات

أوجلان من مؤامرة للسقوط الى الصمود

گولي فيلي

تنظر القوى العالمية الكبرى إلى منطقة الشرق الأوسط على أنّها دول العالم الثالث أو الرابع… وهي دول تحت الطلب، وجنود في لعبة الشطرنج على رقعة منطقة غنية بكل شيء، ولكن فقيرة فكرياً ويعانون أنيميا ذهنية ..فقد كان وجود حركة إنسانية بحجم وقوة PKK في المنطقة هو حجر عثرة في طريق مباراة الدول الكبرى التي تجري كل بضع سنوات في هذه المنطقة الملتهبة ..لكنّ أوجلان؛ الشخصية الديناميكية قد حاول أن يكيّف روح الثورة مع واقع المنطقة وجوع سكّانها الاجتماعي والأمني والفكري.. لكن في نفس الوقت كان الشخصية الصلبة التي لم تنحنِ أمام سخونة الضغط الدولي… واصطدمت طموحات الحكومات الكبرى بصخرة العناد وتصميم القائد الشرق الأوسطي الذي لم يستسلم أمام عواصف وتسونامي الأورو-أميركي. ولم يكن أوجلان قائداً تحت الطلب، بل كان مطالباً بحقوق إنسانية للإنسان الشرق أوسطيّ والنهوض به، وإخراجه من مرحلة الانصياع الى مرحلة صنع القرار. وهذا بحد ذاته كان خطراً جسيما على مصالح وهيبةِ دول لم ترَ من شعوبنا إلّا ظهوراً محنية للامتطاء، فكيف سيسمح أن تتحول هذه الشعوب الى فرسان؟! لقد جسّوا نبض أوجلان الثائر، وسجّل مقياس النبض درجة امتياز، ورأَوا أنّ استمرار القلب بهذا المعدل من النبض وصعوبة ترويض هذا الخيل الأصيل سيكون معوقاً أمام تغيير مدمر سيعصف بالمنطقة، ولم يكن بمقدورهم أن يُوقِفوا قلبه عن النبض، وتآمرت عليه كبريات الدول وجعلوا مساحة الكوكب لا تتسع لوجوده، وقد حاصروه وأسروه وسلموه لألد أعدائه لعدة أسباب. وحاولوا ضرب روح المقاومة عند تلامذته وتخويفهم ليحيدوا عن الطريق. ليكون جميلاً في رقبة تركيا ويكونوا الحاكم الفعلي في تحريك تركيا. ولتكون ضربة لأيّة حركة تحرّرية في المنطقة تفكر أن تولد بعيداً عن أضواء وسطوة تلك الدول. ولكسر المطرقة والمنجل في شخص أوجلان، وفي شكل حركته، وإطفاء النجمة الماركسيّة وإلغاء اللون الأحمر القاني. والأهم من ذلك فقد كانوا حسب حساباتهم النفسيّة أنّ وضْع الصقر في الأسر سيجعله يضرب رأسه بجدران السجن حتى ينكسر منقاره ويموت جوعاً، فتموت الأسطورة الأوجلانيّة بين جدران السجن، ويصبح عبر الأيام نسياً منسياً. فحسب منظورهم أنّ عاشق للحرية سيموت في الأسر، وأنّ الأغلال ستقوده إمّا إلى الانتحار أو إلى الجنون. لقد أخطؤوا في دراساتهم وتقديراتهم، وانتقل أوجلان من درجة ثائر إلى درجة فيلسوف معتكف يكتب ألفباء الثورة بشكل مختلف، وتحوّل من قائد ثوري إلى منظّر ومرجعية ثورية ورمز، وانقلبت فكره الانتحار المتوقّعة له الى فكر فلسفي وإشعاع ومنبع لكل متعطش لألفباء الحرية. فقد أضاف السجن إلى شخصية أوجلان أكثر بكثير من حساباتهم، حتّى أصبح مكتبة فكرية- ثقافية – ثورية –إنسانية – حضارية – فلسفية – مرجعية، وفوق كلّ ذلك رمزاً وطنيّاً وقوميّاً وعالمياً. كان أوجلان يسبق الحدث، ويقرأ المرحلة بشكل دقيق وعقلانيّ، وكان إضافة إلى كونه ثائراً وفيلسوفاً، كان ملماً بعلم الاجتماع والنفس، لقد درس شخصية ابن الوطن الفقير إلى شخصية البرجوازي، ووضع إصبعه على مكامن الضعف والقوّة في مجتمعنا، ودخل إلى قلب المجتمع من الباب المغلق، ألَا وهو باب المرأة؛ تلك القوّة الكامنة غير المكتشفة إلى الآن كثروة طبيعيّة موجودة لم يتعرّف أحد إلى غناه وأهميته، بل لم يكتفوا بإهمالها بل جرى تهميشها والاستهانة بطاقاتها، وبدل أن تكون المرأة نقطة ضعف في المجتمع وكائناً مشكوكاً في قدراته العقلية، فجّر تلك الطاقة، وتحوّلت من مرحلة السبات الى مرحلة التفعيل. لذا صنعَ المفتاح الذهبي لفتح أبواب تلك الخزائن واستثمارها الاستثمار الوطني – الإنساني الصحيح. هنا وحتى من خلف القضبان قطع أوجلان الطريق أمام الغرب، فقال لهم: أنا بعيد عن الساحة السياسية بالجسد، لكنّ فكري هو خارطة طريق تقطع عليكم خارطة الشرق الأوسطية الجديدة، وتلميذاتي النجيبات هنّ بيضة القبان ولاعبات سياسيات محترفات وقوة لا يستهان بهنّ، ومن بعدي هنّ المرجعية، ولهنّ كلمة الفصل، لذا عليهم ألّا يهمشوننا. وغدت كبريات الدول تتسابق لتأخذ الكورد حليفاً إستراتيجياً لها لأنهم فرسان الشرق، وبعيداً عنهم يبقى الحمل الغربي في المنطقة غير متوازناً ومختلاً، وأيّ كوردي يحلم ليس فقط بدولة بل بشهقة من الحرية بعيداً عن فضاءات أوجلان سيدفن هو وحلمه في وكر الأوهام، وإن كانت الدول سترسم خارطة للمنطقة من جديد على أنقاض سايكس – بيكو، فلن نكون فيها سوى ملعوب فيهم بدل أن نكون لاعبين، لأنّ بناء الدول والأمم لن يكون بالشعارات والارتماء في حضن المحتل واستجداء الشفقه وانتظار الفتات من موائد حسناتهم، بل أنْ نتوحّد تحت راية ترى في الفداء بالروح وقت الحاجة أرخص ما يقدّم قرباناً على محراب الحرية والكرامة، وترى أنّ الحرية تؤخذ ولا تشحذ، ويجب أن نقرأ الواقع بضمير أمة كاملة لا بمصالح شخصيّة ضيّقة، والشعب الذي لا يتعلم ولا يجيد قراءة تاريخه أُمّيٌّ، وإن كان يجيد القراءة والكتابة.

أضف تعليقا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة

إلى الأعلى